أبي حيان الأندلسي

177

البحر المحيط في التفسير

عليه السلام ، فيفسر قولهم : الأرذلون ، بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد ، ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم . ثم بنى جوابه على ذلك فيقول : ما عليّ إلا اعتبار الظواهر ، دون التفتيش على أسرارهم والشق عن قلوبهم ، وإن كان لهم شيء ، فاللّه محاسبهم ومجازيهم ، وما أنا إلا منذر لا محاسب ، ولا مجاز ، لو تشعرون ذلك ، ولكنكم تجهلون ، فتنساقون مع الجهل حيث سيركم . وقصد بذلك رد اعتقادكم ، وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا ، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا . فإن الغنى غنى الدين ، والنسب نسب التقوى . انتهى . وهو تكثير . وقال الحوفي : وما علمي ، ما نافية ، والباء متعلقة بعلمي . انتهى . وهذا التخريج يحتاج فيه إلى إضمار خبر حتى تصير جملة ولما كانوا لا يصدقون بالحساب ولا بالبعث ، أردفه بقوله : لَوْ تَشْعُرُونَ ، أي بأن المعاد حق ، والحساب حق . وقرأ الجمهور : تشعرون بتاء الخطاب . وقرأ الأعرج ، وأبو زرعة ، وعيسى بن عمر الهمداني : بياء الغيبة . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ : هذا مشعر بأنهم طلبوا منه ذلك فأجابهم بذلك ، كما طلب رؤساء قريش من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطرد من آمن من الضعفاء ، فنزلت : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ « 1 » الآية ، أي لا أطردهم عني لاتباع شهواتكم والطمع في إيمانكم . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، ما جئت به بالبرهان الصحيح الذي يميز به الحق من الباطل . ولما اعتلوا في ترك إيمانهم بإيمان من هو دونهم ، دل ذلك على أنهم لم تثلج صدورهم للإيمان ، إذ اتباع الحق لا يأنف منه أحد لوجود الشركة فيه ، أخذوا في التهديد والوعيد . قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عن تقبيح ما نحن عليه ، وادعائك الرسالة من اللّه ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ، أي بالحجارة . وقيل : بالشتم . وأيس إذ ذاك من فلاحهم ، فنادى ربه ، وهو أعلم بحاله : إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ، فدعائي ليس لأجل أنهم آذوني ، ولكن لأجل دينك . فَافْتَحْ ، أي فاحكم . ودعا لنفسه ولمن آمن به بالنجاة ، وفي ذلك إشعار بحلول العذاب بقومه ، أي : وَنَجِّنِي مما يحل بهم . وقيل : ونجني من عملهم لأنه سبب العقوبة . والفلك واحد وجمع ، وغالب استعماله جمعا لقوله : وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ « 2 » ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ « 3 » ، فحيث أتى في غير فاصلة ، استعمل جمعا ، وحيث كان فاصلة ، استعمل مفردا لمراعاة الفواصل ، كهذا الموضع . والذي في سورة يس ، وتقدّم الخلاف إذا كان مدلوله جمعا ، أهو جمع تكسير ، أم اسم جمع ؟ والمشحون ، قال ابن عباس : الموقر ، وقال عطاء : المثقل . ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ : أي بعد نجاة نوح والمؤمنين .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 52 . ( 2 ) سورة النحل : 16 / 14 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 164 . تفسير البحر المحيط ج 8 م 12